الشيخ محمد رشيد رضا
195
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في نفسه الذي لا يمكن لمؤمن ولا ملحد إنكاره . وبين ذلك بذكر أن القضاء عبارة عن تعلق العلم الآلهى بالشئ والعلم انكشاف لا يفيد الالزام ، والقدر وقوع الشئ على حسب العلم ، والعلم لا يكون الا مطابقا للواقع والا كان جهلا ، أو الواقع غير واقع وهو محال ، وهنا أمر ان كل منهما ثابت في نفسه : أحدهما أن اللّه خالق كل شئ وثانيهما أن هذا النوع من المخلوقات الذي يسمى « الانسان » يعمل أعماله بقصد واختيار ولكنه غير تام القدرة ولا الإرادة ولا العلم ، فقد يعزم على العمل ثم تنفسخ عزيمته لتغير علمه بالمصلحة أو لعجزه عن تنفيذ ما عزم عليه مع بقاء علمه بأنه هو الموافق للمصلحة وذلك لمرض يلم به ، أو مانع يحول دون ما أراده ، وهذا يقع مع الناس كل يوم ولكنهم قد يغفلون عنه ويغترون بما ينفذ من عزائمهم فيظنون أن الانسان يفعل ما يشاء قال : جاء مصر رجلان من الاوربيين « 1 » الذين جرت عادة أمثالهم بأن يحددوا مدة سفرهم ومقامهم في كل بلد يزورونه قبل الشروع في السفر ، وكان مما كتباه في برنامج سفرهما أنهما يقيمان بمصر ستة أيام ، فمرض أحدها فاضطر إلى أن يمد في مدة السفر بغير حساب . وهكذا شأن الانسان : يعزم فيعمل ، أو يعجز أو يموت قبل التمكن من العمل ، فاختياره في أعماله وقدرته عليها ومعرفته الأسباب وقيامها به كل ذلك له حدود لا يتجاوزها ، فهو لا يحيط علما بأسباب الموت ولا يقدر على اجتناب كل ما يعمل من أسبابه ، وما كل سبب يتعرض له يقع ، فجميع الذين يصطلون بنار الحرب يعرضون أنفسهم للقتل ، وقد يسلم أكثرهم ويقتل أقلهم . أقول : ويؤخذ من هذا كله أمران أحدهما أن الشئ متى وقع يعلم بعد وقوعه ان لم يكن منه بد . وثانيهما أن الانسان إذا كان يؤمن بأن للّه تعالى عناية به وقد يلهمه إذا هو توجه اليه علم ما يجهل من أسباب سعادته ويوفقه إلى ما يعجز عنه من الأسباب بمحض حوله وقوته ، فإنه بهذا الايمان يكون مع أخذه بالأسباب أنشط في العمل ، عند عجزه عنها بعد اليأس والكسل
--> ( 1 ) هما ولى عهد ألمانيا وأخوه